فخر الدين الرازي

608

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الكلبي : أرسل اللّه عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون فأصبحت الجنة كالصريم . واعلم أن الصريم فعيل ، فيحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، وأن يكون بمعنى الفاعل وهاهنا احتمالات أحدها : أنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمر وإن حصل الاختلاف في أمور أخر ، فإن الأشجار إذا احترقت فإنها لا تشبه الأشجار التي قطعت ثمارها ، إلا أن هذا الاختلاف وإن حصل من هذا الوجه ، لكن المشابهة في هلاك الثمر حاصلة وثانيها : قال الحسن : أي صرم عنها الخير فليس فيها شيء ، وعلى هذين الوجهين الصريم بمعنى المصروم وثالثها : الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال ، وجمعه الصرائم ، وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال ، وهي لا تنبت شيئا ينتفع به ورابعها : الصبح يسمى صريما لأنه انصرم من الليل ، والمعنى أن تلك الجنة يبست وذهبت خضرتها ولم يبق فيها شيء ، من قولهم : بيض الإناء إذا فرغه وخامسها : أنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم ، والليل يسمى صريما وكذا النهار يسمى أيضا صريما ، لأن كل واحد منهما ينصرم بالآخر ، وعلى هذا الصريم بمعنى الصارم ، وقال قوم : سمي الليل صريما ، لأنه يقطع بظلمته عن التصرف وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل ، وقال آخرون : سميت الليلة بالصريم ، لأنها تصرم نور البصر وتقطعه . ثم قال تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 21 إلى 22 ] فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ( 22 ) قال مقاتل : لما أصبحوا قال بعضهم لبعض : اغدوا على حرثكم ويعني بالحرث الثمار والزروع والأعناب ، ولذلك قال : صارمين لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار . فإن قيل : لم لم / يقل اغدوا إلى حرثكم ، وما معنى على ؟ قلنا : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول : غدا عليهم العدو ، ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، كقولهم : يغدي عليهم بالجفنة ويراح ، أي فأقبلوا على حرثكم باكرين . [ سورة القلم ( 68 ) : آية 23 ] فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) أي يتسارون فيما بينهم ، وخفي وخفت وخفد ثلاثتها في معنى كتم ومنه الخفدود للخفاش ، قال ابن عباس : غدوا إليها بصدفة « 1 » يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين . ثم قال تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 24 ] أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) أَنْ مفسرة ، وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول أي يتخافتون يقولون لا يدخلها والنهي للمسكين عن الدخول نهي لهم عن تمكينه منه ، أي لا تمكنوه من الدخول [ حتى يدخل ] « 2 » ، كقولك لا أرينك هاهنا . ثم قال :

--> ( 1 ) غير واضحة في الأصل . ( 2 ) زيادة من الكشاف .